مجلس المالية النمساوي يُحذر: الموازنة العامة ورشة إصلاح مفتوحة والعجز يتجاوز حدود الاتحاد الأوروبي

النمسا ميـديـا – فيينا:

حذر مجلس الماليّة النمساوي (Fiskalrat) في مؤتمر صحفي عقد يوم الجمعة في العاصمة النمساوية فيينا خلال تقييمه الخريفي لعام 2026، من أن عملية إصلاح الموازنة العامة في جمهورية النمسا لا تزال تشكل “ورشة عمل مفتوحة”، مؤكداً أن الدين العام للبلاد سيرتفع مجدداً بحلول عام 2027 مع بقاء العجز عند مستويات مرتفعة؛ ويعزى هذا التدهور المالي بالدرجة الأولى إلى التكاليف المتزايدة لنظامي التقاعد والرعاية الصحية وارتفاع الفوائد على السندات الحكومية، إلى جانب وجود ثغرات في التمويل المضاد للمبادرات الحكومية، مما ينذر بتجاوز المعايير الأوروبية المحددة ويستدعي تنفيذ إصلاحات هيكلية عاجلة.

استمرار ارتفاع العجز والدين العام فوق معايير الاتحاد الأوروبي

وفقاً لأحدث التوقعات الصادرة عن مكتب مجلس الماليّة النمساوي (Fiskalrat)، والتي عُرضت يوم الجمعة خلال مؤتمر صحفي في فيينا، سيتراوح عجز الموازنة العامة لعامي 2026 و2027 عند 4.0% و3.6% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي. وتتطابق هذه الأرقام إلى حد كبير مع التخطيط المالي المعلن من قبل وزارة المالية النمساوية (Finanzministerium)، غير أنها تتجاوز بشكل صارخ سقف “معاهدة ماستريخت” التابعة للاتحاد الأوروبي، والتي تنص على ألا يتعدى الاقتراض الحكومي السنوي الجديد لدول الاتحاد نسبة 3.0% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المقرر أن تصدر الأرقام الخاصة بعام 2028 في شهر ديسمبر القادم. وعلى صعيد نسبة الدين العام، تشير التوقعات إلى ارتفاعها من 80.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 لتصل إلى 83.6% بحلول عام 2027، في حين تتوقع وزارة المالية نسبة أقل قليلاً تبلغ 83.2%.

اتساع الفجوة الهيكلية بين الإيرادات والمصروفات الحكومية

تتجاوز معدلات الدين والعجز النمساوية الحدود المسموح بها ضمن معايير التقارب للاتحاد الأوروبي، ويرجع ذلك بحسب ما أُعلن في المؤتمر الصحفي إلى وجود “فجوة كبيرة ومستمرة” بين الإيرادات والمصروفات الحكومية، وهي فجوة نشأت منذ عام 2019 ولم تُغلق منذ ذلك الحين. وأوضحت الخبيرة الاقتصادية في مكتب Fiskalrat، الخبيرة Alena Harrer-Bachleitner، أن هذه الفجوة تعود إلى مشكلات هيكلية عميقة وليس إلى تقلبات دورية مرتبطة بالدورة الاقتصادية. وفي هذا السياق، أكد رئيس المجلس الخبير الاقتصادي Christoph Badelt أنه يتوجب خفض عجز الموازنة في عام 2027 إلى نحو 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي لاستقرار نسبة الدين العام على الأقل. وأوضح Christoph Badelt مجدداً أنه حتى في حال تحقيق هدف العجز عند مستوى 3.0%، فإن هدف توطيد الموازنة لن يكون قد تحقق بعد، بل سيتطلب الأمر خفض نسبة الدين العام بمقدار 0.5% سنوياً.

ارتفاع تكاليف الفوائد على السندات وتأثيرها على الموازنة

يشكل ارتفاع مستويات أسعار الفائدة تحدياً إضافياً لعملية إصلاح الموازنة النمساوية، حيث يرفع كلفة حصول الجمهورية النمساوية على الأموال عبر إصدار السندات الحكومية. وأشار Fiskalrat إلى أن الحكومة الاتحادية غفلت عن اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة هذا الارتفاع خلال تخطيطها للموازنة، إذ تم استغلال الحد الأقصى للعجز المسموح به وفق الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي في جميع سنوات التخطيط بشكل كامل دون ترك أي مصدات أمان مالية (Sicherheitspuffer). وأسفر هذا الارتفاع في الفوائد عن ضغوط توطيد إضافية، حيث يُتوقع أن ترتفع نفقات الفوائد من 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025 إلى 2.0% في العام المقبل. ومع ذلك، أوضح الخبير الاقتصادي في مكتب Fiskalrat، الخبير Johannes Holler، أن هذه النسبة تظل منخفضة نسبياً مقارنة بالسجلات التاريخية، حيث بلغت 4.0% في عام 1995.

الضغوط المتزايدة من النفقات الاجتماعية وإجراءات التخفيف

يُضاف إلى تلك التحديات استمرار النمو المرتفع في النفقات الاجتماعية، ولا سيما في قطاع الرعاية الصحية، إلى جانب الصعود المستمر في نفقات المعاشات التقاعدية وإن كان بمعدل أبطأ قليلاً. وفي المقابل، يتم كبح هذا الارتفاع في النفقات جزئياً عبر تراجع الاستثمارات وتخفيض الزيادات الأجرية في القطاع العام (öffentlicher Dienst)، بالإضافة إلى التأثير التخفيفي الناجم عن تعليق التعديل الدوري (Valorisierung) لبعض الإعانات الاجتماعية والتعديلات المعتدلة على المعاشات التقاعدية، وذلك بحسب البيانات المشتركة الصادرة عن هيئة الإحصاء النمساوية (Statistik Austria) ومكتب Fiskalrat.

مخاوف بشأن الثغرات في التمويل المضاد للمبادرات الحكومية

أعرب رئيس المجلس Christoph Badelt عن “قلقه البالغ” من تخلي الحكومة الاتحادية خلال الأشهر الثلاثة الماضية عن مبدأ التزام التمويل المضاد الكافي عند إقرار تدابير التخفيف المالي. واستعرض Fiskalrat في عرض توضيحي أمثلة على ذلك، مثل الخفض المؤقت لضريبة القيمة المضافة (MwSt) على المواد الغذائية، وتعويضات أضرار الجفاف خلال الصيف، ودعم “مستودع المستقبل” (Zukunftsdepot) المخصص للأطفال اعتباراً من يناير 2027. وأكد التقييم السريع الصادر عن مكتب Fiskalrat لعامي 2026 و2027 أن الإجراءات غير التمويلية بشكل كامل ودائم، والتي ترفع النفقات أو تخفض الإيرادات في ظل هذا الوضع المالي الحرج، تؤدي إلى زيادة ضغوط التوطيد، مشدداً على ضرورة استغلال أي إيرادات غير متوقعة لتقليل عجز الموازنة.

غياب الإصلاحات الهيكلية الملزمة لتحقيق وفورات حقيقية

طالب Christoph Badelt بضرورة إقرار إصلاحات هيكلية جادة، مشيراً إلى أن المخرجات الأولية لشراكة الإصلاح (Reformpartnerschaft) “لم تتضمن عملياً أي شيء يساهم في تقليل العجز”، حيث أُزيلت النقاط التي كانت تمتلك بعض الإمكانات. وأشار التقرير إلى عدم تنفيذ أي “إصلاحات هيكلية فعالة تحد من نمو النفقات بشكل دائم”، كما لم يتم التوصل ضمن شراكة الإصلاح إلى تدابير محددة وملزمة ذات أثر إدخاري ملموس. وحتى في حال التنفيذ الكامل لمشاريع الإصلاح المناقشة حالياً، فإنه يُتوقع فقط تحقيق وفورات معتدلة لن يظهر أثرها الإيجابي إلا على المدى الطويل.

المستشار النمساوي ينفي الانتقادات ويدافع عن الخطة الحكومية

من جانبه، صرح المستشار الاتحادي النمساوي Christian Stocker (عن حزب الشعب النمساوي ÖVP) يوم الجمعة بأنه لا يستطيع تفهم انتقادات Fiskalrat. وأوضح أن المساعدات الخاصة بالجفاف تم تمويلها مضاداً من خلال احتياطيات التأمين الاجتماعي التي وفرها الاتحاد عبر مساهماته، كما أن مشروع “Zukunftsdepot” مدرج بالفعل ضمن الموازنة المزدوجة. وأعرب Christian Stocker عن توقعه تحقيق آثار إيجابية من شراكة الإصلاح على المدى البعيد، قائلاً: “ليس جديداً أن الإصلاح يتطلب تكاليف إضافية في البداية ولا يؤدي إلى الكفاءة إلا بعد دخوله حيز التنفيذ”. وفي سياق متصل، رأت المتحدثة باسم الموازنة في حزب NEOS، Karin Doppelbauer، أن تدابير التحالف الحكومي بدأت تؤتي أكلها، مع إقرارها بوجود تحديات كبيرة، داعية إلى اتخاذ خطوات لاحتواء نفقات الصحة والتقاعد والحد من الازدواجية في المهام.

النقابات ومجلس العمال يرفضون إجراءات التقشف الإضافية

على الجانب الآخر، ظهرت انتقادات يوم الجمعة لمطالب Fiskalrat بفرض تدابير تقشف جديدة. حيث صرحت Angela Pfister، رئيسة قسم الاقتصاد الكلي في اتحاد النقابات النمساوي (ÖGB)، بأن “الانضباط في الإنفاق أمر مهم، لكن توطيد الموازنة يسير وفق المخطط، وأي اقتطاعات إضافية ستكون بمثابة سم للاقتصاد وللموظفين”. وفي السياق ذاته، أكد Georg Feigl، الخبير الاقتصادي في غرف العمال النمساوية (AK) والعضو في مجلس Fiskalrat المكون من 15 عضواً، أن مكافحة التضخم والبطالة يجب أن تحظى بالأولوية القصوى، مشيراً إلى أن معدل التضخم تضاعف تقريباً منذ بداية العام وارتفعت أعداد العاطلين عن العمل لفترات طويلة بشكل ملحوظ، مما يتطلب من الحكومة الاتحادية اتخاذ تدابير عاجلة لكبح الغلاء وتخفيض البطالة.

نبذة عن مجلس المالية النمساوي Fiskalrat

يختص مجلس المالية النمساوي (Fiskalrat) بمتابعة شؤون الموازنة والانضباط المالي في النمسا وتقديم التوصيات للجهات السياسية، وقد تأسس كبديل ومطور للجنة الدين العام السابقة (Staatschuldenausschuss).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى